يميل من يسوّق المنتجات المالية للمجتمع العربي إلى البدء بالمنتج: بطاقة إضافية، قرض إضافي، تطبيق إضافي. أما المعطيات الموثّقة فتقترح نقطة انطلاق أخرى، هي الطريقة التي تدير بها الأسر أموالها. ففي استطلاع هاتفي أجراه بنك إسرائيل باللغة العربية في أيلول 2023 بين البالغين العرب، أفاد 80%1 من المستطلَعين بأنهم يتابعون نفقاتهم ويرغبون في أداة لمتابعتها. وفي الاستطلاع نفسه لا تستخدم تطبيقًا لهذا الغرض إلا أقلية من مجمل المستطلَعين. بين الرغبة والأداة فجوة، وإلى جانبها فجوة في المعرفة وأخرى في الدخل، ودور كبير للمستشار البشري. نعرض هنا ما تقوله المعطيات، وأين تتوقف، وما الذي يمكن أن تفعله بها المصارف وشركات بطاقات الائتمان وشركات التأمين والتكنولوجيا المالية.

دخل أدنى وميزانية أضيق

بحسب الكتاب الإحصائي السنوي للمجتمع العربي الذي يصدره المعهد الإسرائيلي للديمقراطية استنادًا إلى معطيات مؤسسة التأمين الوطني، بلغ متوسط الأجر لشهر عمل لدى العامل المقيم في بلدة عربية 9,034 ₪2 عام 2022، مقابل 14,687 ₪3 لدى العامل المقيم في بلدة يهودية. والمقارنة هنا حسب مكان السكن لا حسب انتماء العامل، ولا تشمل المدن المختلطة.

وتكشف معطيات الفقر ضيق الهامش أيضًا. فبحسب تقرير الفقر الصادر عن مؤسسة التأمين الوطني، كانت 37.6%4 من الأسر العربية تعيش تحت خط الفقر عام 2024، مقابل 14%5 من أسر اليهود غير الحريديم.

تخفي المتوسطات والنسب تفاوتًا واسعًا، لذا يجدر التقسيم حسب المنطقة والدخل بدل افتراض جمهور متجانس. ومع ذلك فالرسالة على مستوى السوق واضحة: كثير من الأسر لا تملك هامشًا كبيرًا للخطأ. ونرى أن العمولة غير المتوقَّعة أو الفائدة غير المشروحة أو الخصم المكرّر تُعاش في وضع كهذا مساسًا بالثقة، لا مجرد تكلفة. والمنتج المالي الذي يعرض كلفته مسبقًا، بالشيكل وبالعربية، يبدأ الطريق متقدّمًا.

رغبة في المتابعة وأداة غائبة

أُجري استطلاع بنك إسرائيل هاتفيًا وبالعربية، على عيّنة تمثّل المجتمع العربي حسب الجنس والفئة العمرية ومنطقة السكن، وعُرضت نتائجه في شباط 2024 في مؤتمر للبنك عن التكنولوجيا المالية رافعةً للنمو الاقتصادي في المجتمع العربي. إنه عرض تقديمي لا تقرير كامل، لذا فالتفاصيل محدودة، لكن الصورة التي يرسمها متّسقة.

وأبرز ما يكشفه هو الفجوة بين النية والأداة. فمعظم المستطلَعين يفيدون بأنهم يتابعون نفقاتهم أصلًا ويريدون أداة تعينهم على ذلك، لكن أقلية فقط تستخدم تطبيقًا لهذا الغرض. ونرى أن ذلك لا يعكس نفورًا من التكنولوجيا، بل سوقًا لم يُقدَّم لها بعد منتج يلائمها: أداة متابعة تتحدث العربية، وتعرض الصورة ببساطة، ولا تشترط معرفة مسبقة.

وبحسب الاستطلاع، فإن أبرز المجالات التي يفتقر فيها المستطلَعون إلى المعرفة المالية هي منتجات التأمين وطرق الادخار والتعامل مع البنك. وكان النقص في المعرفة بالتأمين مرتفعًا نسبيًا لدى النساء، وفي أصغر الفئات العمرية وأكبرها، ولدى غير الحاصلين على تعليم أكاديمي، أما في الادخار فلدى النساء والشباب والعزّاب وغير الأكاديميين. وفي مؤشر الثقافة المالية لبنك إسرائيل جاءت نتيجة المجتمع العربي أدنى من نتيجة المجتمع اليهودي العام ومن نتيجة المجتمع الحريدي، ويشير العرض إلى أنه متأخر في كل واحد من المؤشرات.

ومن المهم قراءة هذه النتائج قراءة صحيحة. فنحن نرى أن الفجوة في المعرفة هي أولًا فجوة في الوصول إلى المعلومات، لا في القدرة. ومن يشرح بعربية بسيطة ما الذي تغطيه بوليصة التأمين، وكيف تعمل خطة الادخار، وما معنى كل سطر في كشف الحساب، يلبّي حاجة أشار إليها المستطلَعون أنفسهم.

الدفع عبر الإنترنت عادة قائمة

في استطلاع جمعية الإنترنت الإسرائيلية للعامين 2023 و2024، الذي شمل البالغين العرب ممن يستخدمون الإنترنت، أفاد 53%6 من المستطلَعين بأنهم يدفعون فواتيرهم عبر الإنترنت، ويملك 93%7 منهم هاتفًا ذكيًا. وبحسب التقرير، يستخدم معظم المستطلَعين الإنترنت للخدمات المصرفية أيضًا. ووجد التقرير كذلك أن المستطلَعين البدو من سكان النقب استخدموا الخدمات المصرفية والمالية أقل من المستطلَعين في المناطق الأخرى.

الأساس هنا مستخدمو الإنترنت لا جميع السكان العرب، فلا يجوز عرض هذه المعطيات نسبةً من مجمل العرب. لكن العادة الرقمية قائمة لدى المتصلين بالشبكة: فأكثرهم يدفعون فواتيرهم عبر الإنترنت، ويحمل جميعهم تقريبًا هاتفًا ذكيًا. وإذا وضعنا ذلك إلى جانب استطلاع بنك إسرائيل، مع الحذر الواجب عند الجمع بين استطلاعين مختلفين، يبدو أن ما ينقص ليس القناة بل المضمون: أدوات تساعد على إدارة المال، لا على تحويله فحسب.

مستشار الرهن العقاري في الوسط

بحسب تقرير مراقب الدولة عن سوق الرهون العقارية، كما نشره موقع ynet، فإن 73%8 من الرهون العقارية في المجتمع العربي التي مُنحت منذ عام 2024 تمّت بمرافقة مستشار رهون خارجي، مقابل 59%9 لدى عموم السكان. وبحسب التقرير الصحفي نفسه، فإن هذا المجال غير منظَّم بالقانون: لا ترخيص إلزامي، ولا امتحانات تأهيل، ولا جهة رقابية تشرف على العاملين فيه. ويتبيّن منه أيضًا أن بنك إسرائيل لا يملك المعطيات الأساسية اللازمة لصياغة سياسة بشأن الرهون العقارية في المجتمع العربي.

للأمر وجهان. فمن جهة، المستشار قناة: البنك أو المطوّر العقاري الذي يريد الوصول إلى المقترضين العرب يلتقيهم في أغلب الحالات عبره. ومن جهة أخرى، هي قناة لا يفحص أحد جودتها، وسمعة البنك تستند إليها. وثمة فرضية معقولة لا تختبرها المعطيات: أن جزءًا من اللجوء إلى المستشار نابع من النقص نفسه في المعرفة بالتعامل مع البنك الذي كشفه استطلاع بنك إسرائيل. فإن صحّت، فبوسع البنك الذي يشرح نفسه على نحو أفضل أن يبني علاقة مباشرة مع العميل، من دون الاستغناء عن المستشار.

ما لا تقوله المعطيات بعد

لم نجد معطى حديثًا وموثّقًا عن نسبة البالغين العرب الذين لا يملكون حسابًا مصرفيًا. فالمعطى المتداول عادةً مأخوذ من مقال صحفي من عام 2021 يستند إلى تقرير لبنك إسرائيل لم نتمكن من العثور عليه، لذا لم نورده. والمعطيات الموثّقة عن حيازة بطاقات الخصم تستند إلى مسح لدائرة الإحصاء المركزية من عام 2018، أما المقارنة بين العرب واليهود في استخدام الخدمات المصرفية الرقمية فلم نجد سنة المسح الذي تستند إليه. ولم نجد معطيات حديثة اجتازت التدقيق عن استخدام النقد أو عن الائتمان غير المصرفي.

والمعنى للمسوّق أن الافتراضات عن “جمهور بلا حسابات مصرفية” أو عن “تفضيل النقد” فرضيات ينبغي اختبارها، لا حقائق. ويمكن اختبارها في معطياتكم أنتم إذا فصّلتموها حسب لغة الواجهة والمنطقة: نسبة الانضمام إلى التطبيق، واستخدام أدوات إدارة الميزانية، وموضوعات التوجّه إلى خدمة العملاء.

ماذا يعني ذلك للمسوّقين

تشير المعطيات إلى جمهور يدير ميزانية مشدودة، ويريد أدوات تعينه على ذلك، وتنقصه المعلومات في مجالات محدّدة، ويعتمد على المرافقة البشرية في واحد من أكبر قراراته المالية، أي الرهن العقاري. وهذه هي الخطوات التي نبدأ بها:

  • بيعوا التحكّم بالمال لا منتجًا إضافيًا. أداة لمتابعة النفقات والميزانية بالعربية الكاملة، مع تنبيهات بسيطة وملخّص شهري واضح، تلبّي حاجة صرّح بها معظم المستطلَعين. قيسوا عدد العملاء الناطقين بالعربية الذين يستخدمونها فعلًا، لا عدد من نزّلوا التطبيق فقط.
  • اشرحوا قبل أن تبيعوا. التأمين والادخار والتعامل مع البنك هي المجالات التي قال المستطلَعون أنفسهم إنهم يفتقرون فيها إلى المعرفة. ومحتوى توضيحي قصير بالعربية، موجَّه أيضًا إلى النساء والشباب، قد يفتح حوارًا لا تفتحه حملة بيع.
  • اعرضوا السعر الكامل مسبقًا. حين تكون الأجور أدنى والهامش أضيق، ينبغي أن تظهر العمولات والفائدة وشروط السداد بالشيكل وبالعربية منذ العرض الأول. اختبروا نقاط السعر وشروط الدفع مع الجمهور، ولا تنسخوها من السوق العامة.
  • اعملوا مع مستشاري الرهن العقاري، واختاروهم بعناية. معظم الرهون العقارية التي مُنحت في المجتمع العربي منذ 2024 مرّت عبر مستشار. زوّدوا المستشارين بمواد بالعربية وشروط شفافة، وتذكّروا أن جودتهم في مجال غير منظَّم هي سمعتكم أنتم أيضًا.
  • الرقمي أولًا، لا الرقمي وحده. الدفع عبر الإنترنت مألوف لدى معظم مستخدمي الإنترنت العرب، لذا يجب أن يعمل الموقع والتطبيق بالعربية من البداية إلى النهاية. أبقوا طريقًا سهلًا للحديث مع إنسان، وفصّلوا المعطيات حسب المنطقة: في النقب يقلّ استخدام الخدمات المصرفية عبر الإنترنت.