قبل عقد، كان بوسع من يخطّط للبيع في السوق العربية أن يتعامل مع الموقع الإلكتروني كإضافة، فالمال كان يُنفَق في المتاجر. لم يعد الأمر كذلك. فبحسب بحث أجرته غوغل إسرائيل وإسراكارت، بلغت حصة التسوّق عبر الإنترنت في القطاع العربي عام 2023 نحو 15%1 من حجم المشتريات، مقابل 2%2 قبل عقد. ويُكمل استطلاع الجمعية الإسرائيلية للإنترنت الصورة من جهة المستهلك: كل المتصفحين العرب تقريبًا يملكون هاتفًا ذكيًا ويستخدمون واتساب، التطبيق الأوسع استخدامًا بينهم. نعرض هنا ما تقوله المعطيات الموثّقة، وأين تتوقف، وما الذي يجدر فعله بها.
عقد من النمو انطلاقًا من قاعدة منخفضة
نُشر البحث مطلع 2024 بمناسبة مرور عقد على مجتمع ShoppingIL، ووفقه بلغت حصة التجارة الإلكترونية في إسرائيل كلها 20%3 من حجم المبيعات، مقابل 4%4 قبل عقد. أي أن السوق كلها بدأت من مستوى منخفض، وأن الحصتين ارتفعتا بحدّة. وما زالت حصة القطاع العربي أدنى من المعدل القُطري، بل اتسعت الفجوة بينهما بالنقاط المئوية. أما ما تغيّر فهو الحجم: فقد صار التسوّق عبر الإنترنت جزءًا فعليًا من إنفاق القطاع، وحصته فيه ليست بعيدة كثيرًا عن المعدل القُطري. والمقارنة تقريبية، إذ يرد المعطى القُطري حصةً من حجم المبيعات ومعطى القطاع العربي حصةً من حجم المشتريات، لذا تُعدّ مؤشرًا تقريبيًا لا فجوةً دقيقة.
وقبل إدراج الرقم في أي عرض تقديمي، ينبغي معرفة حدوده. فهو حصة من حجم المشتريات لا نسبة المشترين: يخبرنا بمقدار المال الذي يمرّ عبر الإنترنت، لا بعدد الأشخاص الذين يشترون عبرها. ثم إنه بحث تجاري نقلته الصحافة، ولا يذكر حجم العيّنة في القطاع العربي. إنه مؤشر جيد على الاتجاه، لا قياس دقيق، وهكذا ينبغي عرضه في خطة العمل.
وأفضل استخدام له أن يكون نقطة مقارنة مع معطياتكم. فإذا كانت حصة الزبائن العرب من مبيعاتكم الإلكترونية أقل بكثير من حصتهم من مبيعات الفروع، فهذه علامة على أن متجركم الإلكتروني لا يخدمهم، لا على أن هذا الجمهور لا يتسوّق عبر الإنترنت.
ومع ذلك، لا تتوقف الخلاصة التجارية على الكسر العشري. فالسوق التي يمرّ جزء فعلي من مشترياتها عبر الإنترنت لا يصحّ أن تظهر في الخطة حملةً توجّه الناس إلى الفروع فحسب.
من يتسوّق عبر الإنترنت، ومن لا يزال خارج هذه الدائرة
أُجري استطلاع الجمعية الإسرائيلية للإنترنت، الذي صدر تقريره في أيار 2024، على عيّنة تمثيلية من البالغين العرب الذين يستخدمون الإنترنت. ووفقه يشتري 51%5 من المستطلَعين عبر الإنترنت، ويدفع 53%6 فواتيرهم عبرها. وبحسب التقرير، فإن النسب في المجتمع اليهودي أعلى بكثير، لكن الملخّص لا يورد رقمًا للمقارنة.
والمهم هنا هو الأساس: هؤلاء مستخدمو إنترنت لا جميع السكان العرب، فلا يجوز عرض المعطى نسبةً من العرب كافة. وفي المعطى أيضًا رسالة عن النمو: فالمستطلَعون الذين لا يتسوّقون عبر الإنترنت بعد متصلون بها أصلًا. المهمة إذن ليست إدخالهم إلى الإنترنت، بل منحهم سببًا وجيهًا للشراء عبرها، ومنكم تحديدًا.
ولا يقلّ معطى دفع الفواتير أهمية عن معطى التسوّق، فالدفع عبر الإنترنت مألوف لدى معظم المستطلَعين. ونرى أن العائق أمام الشراء الأول تقني بدرجة أقل، ويتعلّق أكثر بمدى موثوقية المتجر، وبمخاطبته الزبون بلغته، وبوضوحه مسبقًا بشأن ما يحدث إذا تعثّر شيء.
والسوق ليست متجانسة. فقد وجد التقرير أن المستطلَعين البدو من سكان النقب تصفّحوا الشبكات الاجتماعية أقل، واستخدموا الخدمات المصرفية والمالية أقل من المستطلَعين في المناطق الأخرى. ومن يدير حملة قُطرية بالعربية عليه أن يقرأ النتائج بحسب المنطقة، لا أن يكتفي بالمعدل.
الهاتف أولًا
يملك 93%7 من المستطلَعين العرب هاتفًا ذكيًا، وهي نسبة قريبة من مثيلتها في المجتمع اليهودي. أما في الحواسيب فالصورة مختلفة: لا يملك حاسوبًا مكتبيًا إلا 28%8، ويُظهر التقرير فجوة مع المجتمع اليهودي في الحواسيب أكبر بكثير منها في الهواتف.
والاتصال نفسه مهم أيضًا. إذ يتصل 25.2%9 من المستطلَعين بالإنترنت في البيت عبر شبكة خلوية، من الهاتف الذكي أو من مودم خلوي، ويقدّر التقرير أن جزءًا كبيرًا من المستطلَعين يتصفّحون بسرعة تُعدّ اليوم منخفضة.
لا تقول المعطيات من أي جهاز تتم عملية الشراء نفسها، لكنها تقول أي جهاز يملكه الجميع تقريبًا، وعبر أي اتصال يتصفّح جزء غير قليل منهم. أي أن متجركم، في نظر الزبون العربي، هو قبل كل شيء ما يظهر على شاشة الهاتف. وصفحة منتج ثقيلة، أو نموذج دفع طويل، أو رمز تحقّق يضيع عند الانتقال بين التطبيقات، كلها تكلّف صفقات لا تكتمل.
وللعربية هنا طبقة إضافية: موقع تُرجم إلى العربية بينما بقيت صفحة الدفع فيه بالعبرية، أو نموذج لا يقبل اسمًا أو عنوانًا بالأحرف العربية، أو رسالة تأكيد تصل بالعبرية، كلها تقطع تسلسل الشراء في أدق لحظاته، لحظة الدفع.
واتساب هو مكتب الخدمة
في استطلاع نُشر عام 2024، أفاد 93%10 من مستخدمي الإنترنت العرب بأنهم يستخدمون واتساب، وهو التطبيق الأوسع استخدامًا في الاستطلاع. لا يعني ذلك أنهم يريدون الشراء داخل واتساب، بل يدلّ على المكان الذي يسهل لقاؤهم فيه، والذي لا تتطلّب فيه المحادثة مع العلامة التجارية تنزيل أي شيء جديد.
في الشراء عبر الإنترنت لحظات يحتاج فيها الزبون إلى جواب: هل يناسبه المقاس، متى يصل الطرد، كيف يُعيد المنتج. والعلامة التي تجيب في هذه اللحظات عبر واتساب، بالعربية وفي وقت معقول، تخفّف الاحتكاك في كل مرحلة من مسار الشراء. أما العلامة التي تحيل الزبون إلى نموذج “اتصل بنا” في الموقع أو إلى مركز اتصال يتحدث بالعبرية، فتنقل هذا الاحتكاك إليه.
وعمليًا يعني ذلك حساب واتساب للأعمال مع كتالوج للمنتجات، ونماذج رسائل بالعربية لتأكيد الطلب وتحديث حالة الشحن، وموظفًا يتدخّل في المحادثة حين لا يعود الرد الآلي مجديًا. ومكان زر واتساب في صفحة المنتج وصفحة الدفع، لا في أسفل الموقع فقط.
ما لا تقوله المعطيات بعد
لم نجد معطيات حديثة وموثّقة عن وسائل الدفع المفضّلة في المجتمع العربي، ولا عن حجم سلة الشراء عبر الإنترنت، ولا عن الفئات الرائدة في هذا القطاع. فبعض الأرقام المتداولة في هذا المجال قديم، وبعضها يجيب عن سؤال غير الذي يُستشهد به عليه، وبعضها بلا مصدر واضح، ولذلك لم نوردها هنا.
ومعنى ذلك للمسوّق أن الافتراضات عن الدفع نقدًا أو بالتقسيط، أو عن التوصيل إلى البلدات العربية، فرضيات ينبغي اختبارها لا حقائق مسلّم بها. ويمكن اختبارها بسرعة وبتكلفة منخفضة في معطيات متجركم إذا فصّلتموها بحسب اللغة والمنطقة: قارنوا نسبة التخلّي عن سلة الشراء بين النسخة العربية من الموقع والنسخة العبرية، وتحقّقوا من وسائل الدفع المستخدمة فعلًا في الطلبات الواردة من البلدات العربية، وقيسوا مدة التوصيل الفعلية بحسب المنطقة.
ماذا يعني ذلك للمسوّقين
تشير المعطيات إلى جمهور يتسوّق جزء منه عبر الإنترنت، ويملك أفراده جميعًا تقريبًا هاتفًا ذكيًا ويستخدمون واتساب. وهذه هي الخطوات التي نبدأ بها:
- صمّموا المتجر للهاتف، واختبروه عبر اتصال خلوي. قبل الاستثمار في الإعلام، جرّبوا صفحة المنتج وصفحة الدفع على هاتف متوسط المواصفات، عبر شبكة خلوية وبالعربية الكاملة، بما في ذلك رسائل الخطأ والتحقّق ورسالة التأكيد.
- أدخلوا واتساب في مسار الشراء، مع فريق يجيب بالعربية. أسئلة ما قبل الشراء، وتأكيد الطلب، وتنسيق التوصيل، والإرجاع. حدّدوا زمنًا للرد وقيسوه كما تقيسون أي قناة بيع أخرى.
- قيسوا الجمهور العربي على حدة. حين يمرّ جزء كهذا من المشتريات عبر الإنترنت، يستحق هذا الجمهور أهدافًا خاصة به في التجارة الإلكترونية: المبيعات بحسب لغة الموقع والمنطقة ومصدر الزيارات، مع متابعة النقب على حدة.
- استهدفوا المشتري الأول. المستطلَعون الذين لم يتسوّقوا عبر الإنترنت بعد متصلون بها أصلًا. وسياسة إرجاع وشروط توصيل واضحة بالعربية، في صفحة المنتج نفسها لا في شروط الاستخدام فقط، تساعدهم على إتمام الشراء الأول.
- اختبروا قبل أن تفترضوا. وفّروا وسائل الدفع الشائعة، وتأكّدوا مع شركة الشحن أنها تصل إلى العناوين في البلدات التي تعلنون فيها، وتابعوا سلال الشراء المتروكة بحسب المنطقة.