السيارة الجديدة من أكبر نفقات الأسرة، وفي المجتمع العربي لم يُحسم بعد إن كانت ستكون كهربائية. فبحسب استطلاع للمستهلكين أجرته شركة الاستشارات TASC، يفكّر نحو 30%1 من حاملي رخص القيادة في المجتمع العربي في الانتقال إلى سيارة كهربائية عند شراء سيارتهم القادمة، مقابل نحو 45%2 لدى السكان اليهود. وإلى جانب الفارق يبرز أمران لا يقلّان أهمية: فالسيارات في المدن العربية تقطع مسافات أطول، ومخاوف المستطلَعين العرب تختلف عمّا اعتادت السوق العامة أن تجيب عنه. نعرض في هذا المقال ما تقوله المعطيات الموثّقة، وأين تقف حدودها، وما الذي يجدر بالمستوردين ووكلاء البيع ومشغّلي شبكات الشحن فعله.
تأخّر الانتشار، والمعطيات لم تعد حديثة
بحسب تحليل أجرته TASC، بلغ معدّل انتشار السيارات الكهربائية في البلدات العربية 4%3 خلال 2021 و2022، وهو أدنى بكثير من المعدّل في البلدات اليهودية في الفترة نفسها. ولا تحدّد TASC إن كان المعدّل محسوبًا من المبيعات الجديدة أم من مجمل أسطول السيارات، لذا يُقرأ الرقم مؤشرًا على الاتجاه لا حصةً سوقية.
وقبل إدراج هذه المعطيات في أي عرض تقديمي، ينبغي معرفة حدودها. فـTASC شركة استشارات تجارية، ومقالها ينتهي بعرض لخدماتها. ولم تنشر موعد الاستطلاع ولا حجم العيّنة ولا المنهجية، لذا فهي مؤشرات لا إحصاءات رسمية. والتواريخ مهمة أيضًا: فمعطيات الانتشار تعود إلى سنوات مضت، وهذه مدة طويلة في سوق السيارات الكهربائية. ولم نجد معطى موثّقًا أحدث عن شراء السيارات الكهربائية في المجتمع العربي.
مسافات أطول، فالتوفير المحتمل أكبر
بحسب TASC، تقطع السيارة الخاصة غير التابعة لشركات الليسنغ والمسجّلة في مدينة عربية سنويًا مسافة أطول من نظيرتها المسجّلة في مدينة يهودية، والفارق نحو 30%4. وتشير TASC أيضًا إلى مستوى أعلى لامتلاك السيارات في البلدات العربية، أي عدد أكبر من المركبات المسجّلة نسبةً إلى عدد السكان.
والمعطى محسوب لكل سيارة وبحسب مدينة التسجيل، لا لكل سائق. فهو لا يعني أن كل سائق عربي يقود أكثر، بل أن السيارة المتوسطة في المدن العربية تقطع كيلومترات أكثر في السنة.
نظريًا، هذا هو الجمهور الذي يُفترض أن تكون السيارة الكهربائية مجدية له تحديدًا: فكلما زادت المسافة، تراكم أي توفير في كلفة الكيلومتر ليصبح مبلغًا أكبر في نهاية السنة. لكن هذا الحساب لا يُقنع من تلقاء نفسه. ونرى أن من يبيع سيارة كهربائية لهذا الجمهور عليه أن يعرض التوفير بالشيكل، وفق المسافات الفعلية وباللغة العربية، لا بشعارات عن مستقبل أخضر. وإن كان التوفير مرهونًا بتعرفة الشحن أو بمكانه، فالأفضل قول ذلك صراحة؛ فالجمهور الذي يخشى المفاجآت يقدّر الشفافية.
الفارق في الثقة لا في مقبس الشحن
ويتعلق جانب آخر من استطلاع TASC بالمخاوف. فقد أبدى 17%5 من السكان العرب قلقًا من “الأعطال وقطع الغيار الباهظة”، مقابل 8%6 فقط من السكان اليهود. كما أن القلق من أن السيارة الكهربائية “غير آمنة” كان أوسع بكثير لدى المستطلَعين العرب منه لدى اليهود، وتشير TASC كذلك إلى خشية من فقدان قيمة السيارة بسبب البطارية.
وفي الاتجاه المعاكس، فإن غياب نقطة شحن في المنزل، وهو العائق الذي يعرفه كل من سوّق سيارة كهربائية، يشغل المستطلَعين العرب بدرجة أقل. فلم يرَ فيه عائقًا سوى 13%7 من السكان العرب، مقابل نحو 25%8 من السكان اليهود. ولا يفسّر الاستطلاع هذا الفارق. وقد يكون مرتبطًا بنوع السكن ومواقف السيارات، لكن هذه فرضيتنا، والمعطيات لا تختبرها.
وبجمع ذلك تتضح الصورة: مقارنةً بالمستطلَعين اليهود، يسأل المستطلَعون العرب أقل عن “أين سأشحن؟” وأكثر عن “ماذا سيحدث إذا تعطّلت السيارة، وكم سيكلّفني ذلك، وكم ستساوي حين أبيعها؟”. هذه أسئلة عن الموثوقية والخدمة والقيمة، والإجابة عنها جزء من المنتج لا ملاحظة في هامش الإعلان. والقلق من السلامة يحتاج بدوره إلى إجابة ملموسة: تصنيفات السلامة، وشرح مبسّط للبطارية، وسائقون من الجمهور نفسه يروون تجربتهم.
الولاء للعلامة في سوق تتغيّر بسرعة
وطرحت TASC أيضًا سؤالًا أقرب إلى اللعبة: أيّهما تفضّل، مرسيدس أم تسلا؟ فاختارت أغلبية واضحة من المستطلَعين العرب مرسيدس، بنسبة تفوق نظيرتها لدى المستطلَعين اليهود. إنه سؤال منفرد وليس مقياسًا لنية الشراء، لكن TASC ترى فيه دليلًا على الولاء للعلامات العريقة والمعروفة.
ويلتقي هذا الولاء بسوق سريعة التحوّل. ففي كانون الثاني 2026 شكّلت السيارات الكهربائية بالكامل 9.5%9 من السيارات الجديدة المسلَّمة في إسرائيل، في تراجع حاد مقارنة بعام 2025، بينما واصلت تسليمات السيارات الهجينة القابلة للشحن ارتفاعها. أما حصة السيارات المصنوعة في الصين فتواصل النمو، إذ ارتفعت منذ مطلع 2020 من مستوى هامشي إلى جزء كبير من السيارات الجديدة المسلَّمة. هذه معطيات السوق كلها لا المجتمع العربي وحده، ولا يتوفر لدينا تقسيم لها بحسب الجمهور.
ونطرح الصلة بين هذه النتائج على أنها فرضية: إذا كان المستطلَعون العرب أكثر ولاءً للعلامات المعروفة وأكثر قلقًا من الأعطال، فإن الشركات والعلامات الأقل شهرة لديه ستحتاج إلى جهد أكبر لكسب ثقته. وما سيساعدها هو تحديدًا ما يشير إليه الاستطلاع: كفالة واضحة، ومراكز خدمة متاحة، وقطع غيار بأسعار معروفة مسبقًا.
وثمة فرضية أخرى تستحق الاختبار: قد يرى المشتري الذي يقود كثيرًا ويخشى المجهول في السيارة الهجينة القابلة للشحن خطوةً أقل مخاطرة من السيارة الكهربائية بالكامل. ليس لدينا معطى عن ذلك في المجتمع العربي، لكنه سؤال يستحق أن يُطرح في استطلاع أو مجموعة تركيز قبل تحديد الطرازات التي تتصدّر الحملة.
ما لا تقوله المعطيات بعد
معظم ما نعرفه اليوم عن المشتري العربي للسيارة الكهربائية مصدره استطلاع وتحليل لشركة استشارات تجارية، من الفترة التي سبقت التقلبات الأخيرة في السوق. ولم نجد معطيات موثّقة وحديثة عن مبيعات السيارات الكهربائية بحسب البلدة، ولا عن البنية التحتية للشحن العام في البلدات العربية، ولا عن أثر الضرائب على المشترين في المجتمع العربي. أما الادعاءات المتداولة في هذا المجال، كالقول إن شبكات الكهرباء في البلدات العربية لا تحتمل الشحن المنزلي، فلم تصمد أمام تدقيقنا: المصدر المنسوب إليها يتناول موضوعًا آخر. لذلك لم نوردها هنا.
ولا يعني ذلك أن المشكلة غير قائمة، بل أنه لا يوجد معطى عنها يمكن الاستناد إليه. والعلامة التي تدخل هذه السوق تستطيع أن تنتج المعطى بنفسها: الاستفسارات وتجارب القيادة والمبيعات بحسب المنطقة، والأسئلة المتكررة في مركز الخدمة، وملاحظات الوكلاء وورش الصيانة في البلدات العربية.
ماذا يعني ذلك للمسوّقين
السيارات في المدن العربية تقطع مسافات طويلة، والمستطلَعون العرب منفتحون على السيارة الكهربائية لكنهم لم يقتنعوا بعد، وما يميّزهم عن المستطلَعين اليهود هو قلق أكبر من الأعطال وكلفة التصليح، وتشير TASC أيضًا إلى خشية من فقدان القيمة. هذه هي الخطوات التي نبدأ بها:
- بيعوا راحة البال لا التكنولوجيا وحدها. كفالة واضحة على السيارة والبطارية، ولائحة أسعار معلنة مسبقًا للصيانة وقطع الغيار، وسيارة بديلة أثناء التصليح. هذا هو الردّ على قلق يبرز لدى هذا الجمهور أكثر منه في السوق العامة.
- قرّبوا الخدمة من الزبون. مركز خدمة أو ورشة صيانة معتمدة في البلدات العربية أو بالقرب منها، وطاقم يتحدث العربية في البيع والخدمة. واذكروا ذلك في الحملة نفسها، لا في صفحة الفروع على الموقع فقط.
- اعرضوا الحساب. حاسبة للكلفة السنوية بالعربية، وفق المسافات الفعلية وبافتراضات معلنة لأسعار الوقود والكهرباء، وإلى جانبها تقدير صريح لقيمة السيارة عند بيعها.
- لا تبنوا الرسالة حول الشحن المنزلي. ففي الاستطلاع، رأت نسبة أقل من المستطلَعين العرب مقارنةً باليهود في غياب الشحن المنزلي عائقًا، وخشيت نسبة أكبر منهم الأعطال وكلفة التصليح. اعرضوا حلًّا للشحن، لكن امنحوا الموثوقية والخدمة والقيمة مساحة أكبر مما تمنحها حملة مبنية حول الشحن.
- قيسوا بحسب المنطقة. قسّموا الاستفسارات وتجارب القيادة والمبيعات بحسب البلدة، لتحلّ معطياتكم الحديثة محلّ معطيات 2021 و2022.