من يسوّق الشقق أو الرهون العقارية للجمهور العربي في إسرائيل يبني عرضه عادةً على المتوسط السائد في السوق العامة. غير أن المعطيات الموثّقة تُظهر أن هذا المتوسط لا يصيب الهدف. فبحسب مركز الأبحاث والمعلومات في الكنيست، بلغ متوسط قرض السكن في البلدات العربية في آذار 2021 نحو 566,000 ₪1، مقابل نحو 895,000 ₪2 في البلدات اليهودية. وبحسب تقرير مراقب الدولة عن سوق الرهن العقاري، كما نشره موقع ynet، فإن 73%3 من الرهون العقارية التي مُنحت في المجتمع العربي منذ 2024 تمّت بمرافقة مستشار رهون خارجي، مقابل 59%4 لدى عموم السكان. إنها صورة سوق يُقترض فيها أقل، ويُموَّل فيها بالقرض جزء أصغر من العقار، ويزداد فيها الاعتماد على مستشار الرهن العقاري، ولا يعرف عنها المنظِّم نفسه إلا القليل. نعرض هنا ما تقوله المعطيات، وأين تتوقف، وما الذي يمكن أن تفعله بها المصارف والمطوّرون العقاريون ومستشارو الرهن العقاري.
قروض أصغر وتمويل أدنى
تجمع ورقة مركز الأبحاث والمعلومات في الكنيست الصادرة في أيار 2023 معطيات الرقابة على البنوك ودائرة الإحصاء المركزية عن قروض السكن في المجتمع العربي. وإلى جانب الفجوة في حجم القرض، تُظهر الورقة أن نسبة التمويل، أي الجزء من قيمة العقار الذي يغطيه القرض، كانت أدنى بوضوح في البلدات العربية منها في البلدات اليهودية. وبحسب معطيات دائرة الإحصاء التي تستند إليها الورقة، لم تكن تحمل رهنًا عقاريًا عام 2018 سوى أقلية صغيرة من الأسر العربية، مقابل حصة أكبر بكثير من الأسر اليهودية. وهذا المعطى يعدّ كل الأسر التي تحمل رهنًا عقاريًا أيًّا كان موعد الحصول عليه، لا مشتري ذلك العام.
ينبغي قراءة هذه المعطيات في حدودها. فالمقارنة بين البلدات العربية والبلدات اليهودية، ولذلك لا تصف بالضرورة المشترين العرب في المدن المختلطة. كما أنها ليست حديثة: فقد تغيّرت سوق الرهن العقاري كلها منذ آذار 2021، كما سنبيّن لاحقًا.
لا تفسّر المعطيات هذه الفجوة، والتفسيرات الممكنة متعددة. فربما تفضّل الأسر تمويل جزء أكبر من الشراء من رأس مالها الذاتي، وربما تحصل على ائتمان أقل مما تريد. ونرى أن هذه العوامل تعمل على الأرجح معًا، بنسب تختلف من بلدة إلى أخرى. أما الواضح فهو أن حاسبة الرهن أو الإعلان أو المنتج المبني على متوسط القرض في البلدات اليهودية يخاطب مشتريًا آخر.
الدخل يحدّد السقف
بحسب الكتاب الإحصائي السنوي للمجتمع العربي الذي يصدره المعهد الإسرائيلي للديمقراطية استنادًا إلى معطيات مؤسسة التأمين الوطني، بلغ متوسط الأجر لشهر عمل لدى العامل المقيم في بلدة عربية 9,034 ₪5 عام 2022، مقابل 14,687 ₪6 لدى العامل المقيم في بلدة يهودية. والمقارنة هنا أيضًا حسب مكان السكن لا حسب انتماء العامل، ولا تشمل المدن المختلطة.
يُسدَّد القسط الشهري للرهن من الدخل، ولذلك نرى أن فجوة الأجور تفسّر جزءًا من الفجوة في حجم القرض: فالأسرة التي تكسب أقل تستطيع تحمّل قسط شهري أدنى، ومن ثمّ قرضًا أصغر. ومع ذلك نرى أن متوسطات كهذه تخفي تفاوتًا واسعًا بين المناطق والبلدات والأسر، ولذا يجدر التقسيم حسب المنطقة والدخل بدل افتراض جمهور متجانس.
سوق لا تكاد الدولة تقيسها
بحسب تقرير مراقب الدولة كما نشره موقع ynet، كانت الرهون العقارية الممنوحة لمشتري المساكن من المجتمع العربي في الماضي حصة ضئيلة من مجمل الرهون في إسرائيل، أدنى بكثير من حصة المجتمع العربي من السكان. غير أن معطيات أحدث تُظهر فجوة أصغر بكثير: فبحسب ورقة مركز الأبحاث والمعلومات في الكنيست، استنادًا إلى معطيات الرقابة على البنوك، كانت حصة المجتمع العربي من عمليات شراء المساكن الممولة بقروض سكن في عام 2018 أعلى بكثير، وأقرب بكثير إلى حصته من السكان. وهذا المعطى الخاص بعام 2018 يقيس أمرًا مختلفًا عن معطى دائرة الإحصاء أعلاه: لا الأسر التي تحمل رهنًا عقاريًا، بل حصة المجتمع العربي من عمليات شراء المساكن الممولة بقرض سكن. وللمقارنة: شكّل العرب في نهاية 2023 ما نسبته 20.9%7 من سكان إسرائيل، بما في ذلك القدس الشرقية، بحسب المعهد الإسرائيلي للديمقراطية.
ويفيد تقرير مراقب الدولة بأن بنك إسرائيل لا يملك المعطيات الأساسية اللازمة لرسم سياسة في هذا المجال، وبأن الطاقم الوزاري المشترك الأخير الذي تناول المسألة لم ينشر استنتاجاته. وأحدث رقم موثّق وجدناه عن حصة المجتمع العربي من عمليات شراء المساكن الممولة بقروض سكن يعود إلى عام 2018، ولم نجد رقمًا موثّقًا للسنوات التي تلته.
وهذا بالنسبة إلى المسوّق مشكلة وفرصة في آن. مشكلة، لأنه لا يوجد رقم وطني حديث يُقدَّر على أساسه حجم السوق. وفرصة، لأن المصرف أو المطوّر العقاري أو مكتب الاستشارات الذي يقيس نشاطه بنفسه، حسب البلدة ولغة التواصل، يملك صورة لا يملكها غيره، بما في ذلك المنظِّم.
المستشار بوابة الدخول
لعل معطى مراقب الدولة عن مستشاري الرهن العقاري هو الأهم لمن يسوّق السكن للجمهور العربي. فحين تُؤخذ 73%3 من الرهون في المجتمع العربي بمرافقة مستشار، مقابل 59%4 لدى عموم السكان، لا يكون المستشار قناة إضافية فحسب، بل الطريق التي تصل بها معظم هذه الرهون إلى المصرف. وبحسب التقرير نفسه، فإن هذا المجال غير منظَّم قانونيًا: لا ترخيص إلزاميًا، ولا امتحانات تأهيل، ولا جهة رقابية تشرف على العاملين فيه.
وثمة فرضية لا تختبرها المعطيات: حين يكون القرض أصغر ونسبة التمويل أدنى، بل يفتقر البنك المركزي نفسه إلى المعطيات، يبحث المقترض عمّن يعرف المصارف من الداخل ويعرف أيّها سيوافق على ملف كملفّه وبأي شروط. وإن صحّت هذه الفرضية، فالمستشار يملك معرفة تحتاج إليها المصارف والمطوّرون العقاريون، ونفوذًا في اختيار المقترض بينهم. لكنه في المقابل قناة لا يفحص أحد جودتها، وتستند إليها سمعة كل من يعمل من خلالها.
الخلفية: رهون أكبر وأكثر خطورة
يجري هذا كله في سوق تغيّرت بسرعة. فبحسب تقرير مراقب الدولة كما نشره موقع ynet، قفز متوسط الرهن العقاري في إسرائيل بين 2020 و2025، وارتفع متوسط القسط الشهري بين 2019 ومنتصف 2025، وارتفعت حصة القروض المصنّفة عالية المخاطر بين كانون الثاني 2022 وتموز 2025. ويصف التقرير نفسه أيضًا انتشار الصفقات في سوق الشقق الجديدة التي يُؤجَّل فيها معظم الثمن إلى موعد التسليم. وهذه معطيات وطنية، لا معطيات عن المجتمع العربي.
ونرى أن مثل هذه الصيغ تنقل المخاطرة إلى الأمام، إلى موعد التسليم والسنوات التي تليه، بالنسبة إلى مقترض دخله أدنى وهامشه أضيق. والمطوّر العقاري الذي يسوّقها للجمهور العربي ينبغي أن يعرض الدفعة المستقبلية كاملةً، بالشيكل وبالعربية، منذ العرض الأول.
وتبقى أسئلة مفتوحة. فلم نجد معطيات موثّقة عن الطريقة التي تموّل بها الأسر العربية التي لا تأخذ رهنًا عقاريًا شقتها أو بيتها. كما تركنا خارج هذه المقالة برامج الإسكان المدعوم التي تطرحها الدولة ومناقصات الأراضي في البلدات العربية: فالمعطيات التي تحقّقنا منها بشأنها مصدرها تقارير صحفية، وهي تستحق تحليلًا مستقلًا.
ماذا يعني ذلك للمسوّقين
تشير المعطيات إلى مقترضين يأخذون قروضًا أصغر، ويموّلون بها جزءًا أصغر من العقار، ويكسبون أقل، ويعتمدون على مستشار في طريقهم إلى المصرف، في سوق لا يعرف عنها المنظِّم نفسه إلا القليل. وهذه هي الخطوات التي نبدأ بها:
- ابنوا العرض حول المقترض الفعلي لا حول المتوسط. ينبغي أن تعرض الأمثلة والحاسبات والإعلانات بالعربية أحجام قروض ونسب تمويل تلائم البلدات العربية، لا أرقام السوق العامة.
- سوّقوا القسط الشهري لا السعر وحده. حين يكون الأجر أدنى، يصبح السؤال الحاسم: كم سيُدفع كل شهر، وماذا سيحدث عند التسليم؟ اعرضوا جدول الدفعات كاملًا، بما فيه الدفعات المؤجلة، منذ التواصل الأول.
- اعملوا مع مستشاري الرهن العقاري، واختاروهم بعناية. معظم الرهون في المجتمع العربي منذ 2024 مرّت عبر مستشار. زوّدوا المستشارين بمواد بالعربية وشروط شفافة، وتذكّروا أن جودتهم في مجال غير منظَّم هي سمعتكم أيضًا.
- قيسوا بأنفسكم. يفتقر بنك إسرائيل نفسه إلى معطيات أساسية عن هذه السوق. صنّفوا الاستفسارات والموافقات والصفقات لديكم حسب البلدة واللغة، فتملكوا صورة عن هذه السوق لا يتضمنها أي تقرير عام.
- قسّموا الجمهور من الداخل. فجوة الأجور بين البلدات واسعة، ونرى أن التفاوت داخل المجتمع العربي واسع أيضًا. والمعطيات هنا تخصّ البلدات العربية لا المدن المختلطة، لذا اختبروا العروض حسب المنطقة ونوع البلدة قبل بناء مسارات منفصلة.